المقريزي

455

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الفعلة والأعوان ، فنظروا ، فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلها مثلا ولا نظيرا ، فقالوا : ما كان يوسف قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم ، فردّوا إليه الملك ، فأقام ستين سنة أخرى تمام مائة سنة ، حتى مات ، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة . قال : ثم بلغ يوسف قول وزراء الملك ، وإنه إنما كان ذلك على المحنة منهم له ، فقال للملك : عندي من الحكمة والتدبير غير ما رأيت ، فقال له الملك : وما ذاك ؟ قال : أنزل الفيوم من كل كورة من كور مصر أهل بيت ، وآمر أهل كل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية ، وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر ، فإذا فرغوا من بناء قراهم ، صيرت لكل قرية من الماء بقدر ما أصير لها من الأرض لا يكون في ذلك زيادة ، ولا نقص ، وأصير لكل قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه ، وأصير مطأطئا للمرتفع ، ومرتفعا للمطأطىء بأوقات من الساعات في الليل والنهار ، وأصير لها قبضات ، فلا يقصر بأحد دون حقه ، ولا يزداد فوق قدره ، فقال له فرعون : هذا من ملكوت السماء ؟ قال : نعم ، فبدأ يوسف ، فأمر ببنيان القرى وحدّد لها حدودا ، وكانت أوّل قرية عمرت بالفيوم قرية يقال لها سانة ، وهي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون ، ثم أمر بحفر الخليج ، وبنيان القناطر ، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض ، ووزن الماء ، ومن يومئذ حدثت الهندسة ، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك ، وكان أوّل من قاس النيل بمصر ، يوسف ، ووضع مقياسا بمنف . قال جامعه : وفي التوراة : أن فرعون ألزم بني إسرائيل البناء ، وضرب اللبن ، فبنوا له عدّة مدن محصنة منها فيثوم وعرمسيس . قال الشارح : هي الفيوم ، وحوف رمسيس ، وفي زمان الريان بن الوليد ، دخل يعقوب عليه السلام ، وولده مصر ، وهم ثلاثة وسبعون نفسا ما بين رجل وامرأة ، فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما ، وهي أرض ريفية بريّة ، وكان يعقوب لما دنا من مصر أرسل ، يهودا إلى يوسف ، فخرج إليه يوسف ، فلقيه فالتزمه وبكى . فلما دخل يعقوب على فرعون كلمه ، وكان يعقوب شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية جهير الصوت ، فقال له فرعون : أيها الشيخ كم أتى عليك ؟ قال : عشرون ومائة ، وكان بهمن ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى صلوات اللّه عليهم في كتبه ، وأخبر أن خراب مصر ، وهلاك أهلها يكون على أيديهم ، ووضع البربايات وصفات من تخرب مصر على يديه . فلما رأى يعقوب ، قام إلى مجلسه ، فكان أول ما سأله عنه أن قال : من تعبد أيها الشيخ ؟ قال له يعقوب : أعبد اللّه إله كل شيء ، فقال : فكيف تعبد من لا ترى ؟ قال يعقوب : إنه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد ، قال : فنحن نرى آلهتنا ؟ قال يعقوب : إن آلهتكم من عمل أيدي بني آدم من يموت ويبلى ، وإنّ إلهي لأعظم وأرفع ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، فنظر بهمن إلى فرعون فقال : هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه ؟